سميح القاسم … متنبي فلسطين

يُعتبر الشاعر الفلسطيني الكبير سميح القاسم من أبرز الأصوات الأدبية والسياسية التي جسدت نضال الفلسطينيين ومقاومتهم للاحتلال الإسرائيلي، حتى أُطلق عليه لقب “شاعر المقاومة” و”متنبي فلسطين”. وُلد القاسم في 11 مايو 1939 بمدينة الزرقاء الأردنية، لعائلة فلسطينية من بلدة الرامة شمال فلسطين، حيث استقر مع عائلته عام 1941. شهد منذ طفولته تحولات عميقة إثر نكبة عام 1948 التي شكلت نقطة فاصلة في مسيرته الشخصية والفكرية، إذ أثر الاحتلال بحياته اليومية، لكنه أصر على البقاء في وطنه وعدم الهجرة رغم قسوة الظروف.

نشأ سميح القاسم في بيئة ميسورة ومتعلمة، فكان والده محمد القاسم ضابطاً في قوة حدود شرق الأردن، ووالدته هناء فياض تنتمي إلى عائلة منفتحة على الثقافة والعمل الوطني. تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة “راهبات اللاتين” بالرامة، ثم واصل دراسته في الناصرة وحصل على شهادة الثانوية العامة عام 1957، قبل أن يسافر إلى الاتحاد السوفياتي لدراسة الفلسفة والاقتصاد السياسي في أكاديمية موسكو. هذه الخلفية التعليمية الواسعة أضافت إلى إبداعه الأدبي بُعداً فكرياً عميقاً، وساعدته في صياغة رؤيته الوطنية والثقافية.

بدأ القاسم مسيرته المهنية في مجال التعليم، لكنه تعرض للفصل بسبب نشاطه الأدبي والسياسي المقاوم، فانتقل إلى الصحافة التي شكّلت منصة أساسية له للتعبير عن قضاياه الوطنية. انضم إلى هيئة تحرير مجلة “الغد” التابعة للحزب الشيوعي في حيفا، وتولى رئاسة تحرير مجلة “هذا العالم” في تل أبيب، ثم عمل محرراً في صحيفة “الاتحاد” التي استقر فيها لاحقاً. كما ترأس مجلة “الجديد” في السبعينيات، وشارك في تأسيس “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة” والعديد من اللجان والمنظمات التي دافعت عن حقوق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948.

لم يكن القاسم شاعراً فحسب، بل كان مؤرخاً وكاتباً وشاعراً مسرحياً ومترجماً، تاركاً إرثاً أدبياً ضخماً تجاوز 70 كتاباً تنوعت بين الشعر والنثر والمسرح والسيرة والمقالة، وقد تُرجمت أعماله إلى العديد من اللغات العالمية كالإنجليزية والفرنسية والتركية والروسية والألمانية. بدأ رحلته الأدبية في سن مبكرة، حيث أصدر أولى مجموعاته الشعرية “مواكب الشمس” عام 1958، قبل أن يبلغ الثلاثين، وكانت كتاباته مفعمة بالثورة ومقاومة الاحتلال، معبّرة عن معاناة شعبه الفلسطيني وآماله في الحرية والكرامة.

ارتبط اسم القاسم ارتباطاً وثيقاً بأدب المقاومة الفلسطينية إلى جانب زميله الشاعر محمود درويش، حيث وصفهما الأديب غسان كنفاني بأنهما “الرعيل الأول لشعراء القضية الفلسطينية”. تجلت هذه المقاومة في قصائده التي حملت رموزاً وطنية كالأرض والشهادة والطفولة والحجارة، وكانت بمثابة شعلة أمل وصوت صريح ضد الاحتلال. من أشهر قصائده التي تحولت إلى أغنيات كلمات أغنية “منتصب القامة أمشي” التي أدّاها الفنان اللبناني مارسيل خليفة، والتي جسدت صمود الفلسطيني وكرامته رغم الألم والاحتلال.

حظي القاسم بتقدير واسع على الصعيدين العربي والعالمي، ونال عدداً من الجوائز المرموقة منها جائزة “غار الشعر” الإسبانية، وجائزتان من فرنسا عن مختارات شعرية مترجمة، وجائزة “نجيب محفوظ للكاتب العربي” من مصر، وجائزة “الإبداع في مجال الشعر” من مؤسسة البابطين في الكويت، وجائزة “وسام القدس للثقافة والفنون والآداب” من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، إضافة إلى جوائز أخرى من وزارة الثقافة الفلسطينية ومدينة اللد.

لم تكن مواقفه السياسية منفصلة عن تجربته الأدبية، إذ ظل متمسكاً بأرضه ووطنه رغم المعاناة، مؤمناً بأن الشعر والكلمة هما سلاحا المقاومة، ورفض الهجرة رغم أن ذلك كان خياراً سهلاً في ظل الاحتلال. كما عكس في سيرته الذاتية التي أصدرها عام 2011 تحت عنوان “إنها مجرد منفضة” تأملاته في الحياة والموت، معبراً عن مواجهة الموت بشجاعة، قائلاً: “أنا لا أحبك يا موت لكنني لا أخافك، وأعلم أن سريرك جسمي وروحي لحافك”.

توفي سميح القاسم في 19 أغسطس 2014 بعد صراع مع المرض ، وشيع جثمانه بعد يومين في مسيرة شعبية حاشدة على سفوح جبل الجرمق في فلسطين المحتلة، حضرها العديد من الشخصيات الدينية و السياسية والثقافية من مختلف الطوائف، تعبيراً عن مكانته الوطنية والوحدة التي جسدها بين مكونات المجتمع الفلسطيني.

يبقى سميح القاسم، حتى بعد رحيله، صوت المقاومة الفلسطينية الذي لم ينطفئ، وصوت الشعب الفلسطيني الذي عبر عنه بأدب ثوري خالد، وصوت الوطن الذي تمسك به رغم كل المحن. لقد جسد في شعره النضال والتحدي، وخلّد القضية الفلسطينية في المحافل العربية والعالمية، ليظل “متنبي فلسطين” رمزاً للأمل والصمود في وجه الاحتلال، ومثالاً على أن الكلمة الحرة هي أبلغ سلاح في معركة التحرر والكرامة.

Hide picture