“صحاب الأرض”.. حين تحولت تفاصيل الحرب في غزة إلى شهادة درامية

مع انتهاء عرض حلقات مسلسل “صحاب الأرض” في موسم رمضان 2026، بدا واضحاً أن العمل لم يمر كمسلسل موسمي عابر، بل تحول إلى موضوع نقاش واسع داخل الإعلام والمنصات الثقافية العربية. فالمسلسل الذي كتبه عمار صبري وأخرجه بيتر ميمي، وقام ببطولته منة شلبي وإياد نصار، اختار أن يقترب من غزة عبر تفاصيل الحياة اليومية خلال الحرب، لا عبر مشاهد المواجهة الكبرى فقط.

العمل ينطلق من قصة طبيبة مصرية تصل إلى قطاع غزة ضمن قافلة إغاثية، لتجد نفسها في قلب واقع مختلف تماماً عما عرفته سابقاً. منذ الحلقات الأولى يتضح أن الحرب ليست خلفية للأحداث، بل هي الإطار الذي يحدد إيقاع الحياة كلها. بيوت مدمرة، عائلات تعيش في خيام، أطفال ينتقلون بين المستشفى والركام، وألبومات صور تُنقذ من تحت الأنقاض لتبقى شاهداً على حياة كانت موجودة قبل القصف.

اختار المسلسل أن يقترب من تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تكشف حجم التحول الذي تصنعه الحرب في حياة الناس. طفل مصاب يتعرض للقصف مرة أخرى وهو في طريقه إلى المستشفى، عائلة تحاول جمع ما بقي من بيتها قبل النزوح، وأطباء يعملون تحت ضغط دائم بينما يعرفون أن المستشفى نفسه قد يتحول في أي لحظة إلى هدف للقصف. هذه المشاهد لا تُبنى حول الانفجار نفسه بقدر ما تُبنى حول لحظة الانتظار التي تسبقه؛ الصفارات، الحركة المتسارعة للطواقم الطبية، الأيادي المرتجفة التي تبحث عن شيء يمكن إنقاذه.

المستشفى في العمل يتحول إلى مركز للحكاية. المكان ضيق لكنه يختصر عشرات القصص التي تمر بين جدرانه. هناك طبيبة مصرية تكتشف قسوة الحياة تحت الحرب، وفي المقابل يظهر الأطباء الفلسطينيون وقد اعتادوا التعامل مع الفقد بوصفه احتمالاً يومياً. الفارق بين التجربتين يخلق توتراً إنسانياً داخل الحكاية؛ فالقادم من الخارج يرى المأساة للمرة الأولى، بينما يعيشها أهل المكان بوصفها واقعاً مستمراً.

الشخصيات التي تمر في العمل ليست مجرد أدوار درامية، بل نماذج متعددة للحياة في غزة. ناصر، الشاب الذي يسأل باستمرار عن معنى البطولة في الحرب. عم إبراهيم الذي يعاني من الزهايمر بينما تتغير المدينة حوله. مجد المصور الذي يصر على توثيق ما يحدث بالكاميرا رغم معرفته بالخطر. كل شخصية تقدم شكلاً مختلفاً من أشكال الصمود، من رفض الإذلال إلى الإصرار على الاحتفاظ بالكرامة وسط الفوضى.

الحياة لا تختفي بالكامل من المشهد. أحد أكثر الخطوط تأثيراً في المسلسل كان قصة المسعف علي الذي يواصل عمله في الإسعاف حتى يوم زفافه. زواجه لا يظهر كمشهد احتفالي تقليدي، بل كمحاولة صغيرة لاستعادة الحياة وسط الدمار. العروس التي فقدت عائلتها تقف بين الأنقاض بينما يبارك لها الجميع، وكأن الفرح نفسه يتحول إلى شكل من أشكال المقاومة.

العمل لم يقدم البطولة كشعار، بل كخيار يومي مكلف. مجد يموت بينما يوثق الأحداث بعد أن يصر على إبقاء الكاميرا شاهدة على ما يجري. نضال يلقى حتفه وهو يحاول إنقاذ الفتاة التي يحبها. كرمة تقع في قبضة قوات الاحتلال بسبب ملاحقة والدها، في مشهد يظهر حجم الابتزاز النفسي الذي يمكن أن تمارسه القوة العسكرية على المدنيين.

أحد أكثر المشاهد التي أثارت نقاشاً كان مشهد الضابطة الإسرائيلية التي تظهر في بث مباشر وهي تتحدث عن التناقض بين التصريحات الرسمية والواقع الذي تراه في الميدان. المشهد بدا صادماً للكثير من المشاهدين، لأنه يفتح نافذة على الأثر النفسي للحرب حتى داخل صفوف الجيش الإسرائيلي. تقارير إعلامية إسرائيلية في السنوات الأخيرة تحدثت بالفعل عن ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية والانتحار بين الجنود منذ بداية الحرب على غزة، وهو ما جعل هذا الخط الدرامي قريباً من واقع موثق.

المسلسل نجح في لفت الانتباه منذ الإعلان عنه. حتى الصحافة الإسرائيلية تناولته مبكراً، إذ تحدثت صحيفة يديعوت أحرونوت عن العمل باعتباره من الإنتاجات التي قد تؤثر في طريقة رؤية الجمهور العربي للحرب. هذا الاهتمام المبكر كشف أن الدراما حين تتناول غزة لا تبقى في نطاق الترفيه، بل تتحول إلى جزء من النقاش السياسي حول الرواية والذاكرة.

ردود الفعل العربية بعد انتهاء العرض بقيت متباينة. كثير من المشاهدين اعتبروا أن العمل أعاد القضية الفلسطينية إلى قلب الدراما العربية بعد سنوات من حضورها المحدود. آخرون رأوا أن المسلسل يقترب من المعاناة لكنه لا يغوص بالكامل في جذورها السياسية. ومع ذلك، اتفق معظم النقاد على أن العمل نجح في تقديم صورة إنسانية مكثفة للحياة داخل غزة.

اللافت أن قوة المسلسل لم تكن في مشاهد الحرب الكبيرة بقدر ما كانت في التفاصيل اليومية: البحث عن الماء، انتظار سيارة الإسعاف، محاولة الأطفال اللعب بين الركام، والأمهات اللواتي يحاولن حماية ما تبقى من العائلة. هذه التفاصيل جعلت كثيراً من المشاهدين يشعرون بأنهم يعيشون مع الشخصيات لا أنهم يشاهدون قصة بعيدة عنهم.

مع نهاية الحلقات، ترك “صحاب الأرض” سؤالاً مفتوحاً حول دور الدراما في زمن الحروب. هل تستطيع الشاشة أن تنقل تجربة معقدة مثل غزة دون أن تفقد صدقها؟ المسلسل لم يقدم جواباً نهائياً، لكنه أعاد وضع غزة داخل السرد الثقافي العربي، بعد سنوات كانت فيها حاضرة في الأخبار أكثر مما هي حاضرة في القصص.

Hide picture