نيسان في فلسطين… حين تكشف العادات روح المجتمع

 

في فلسطين، لا يُفهم نيسان بوصفه شهرًا من شهور السنة فقط، بل كمساحة حيّة تتجلّى فيها ثقافة المجتمع وعلاقته بالأرض والزمان. هو الشهر الذي تخرج فيه العادات من الذاكرة إلى الممارسة، وتتحول الطقوس إلى لغة يومية تعبّر عن هوية الناس وطريقتهم في فهم الحياة.

يأتي نيسان محمّلًا بمعاني البداية؛ حيث تنتهي برودة الشتاء، وتبدأ الأرض في استعادة حيويتها. لكن الأهم من هذا التحول الطبيعي، هو ما يوازيه في سلوك المجتمع: حركة، خروج إلى الحقول، تجمعات، وطقوس تعيد تنظيم العلاقة بين الإنسان ومحيطه.

في الوجدان الشعبي، يُعرف نيسان باسم “شهر الخميس”، وهي تسمية تختصر بنية ثقافية كاملة، تقوم على أربعة خميسات متتالية، لكل منها طقوسه ومعناه. هذه الأيام لم تكن مجرد مواعيد زمنية، بل مناسبات ينتظرها الناس، ويستعدون لها، ويعيدون من خلالها إنتاج عادات متوارثة عبر أجيال.

يبدأ هذا التسلسل بـخميس النبات، حيث تخرج الفتيات إلى الطبيعة لجمع الزهور والرياحين، في مشهد يعكس ارتباطًا مباشرًا بالأرض، وإيمانًا بأن الجمال والبركة يُستمدان منها. ثم يأتي خميس الأموات، حيث تزور العائلات قبور موتاها، وتوزّع الطعام والصدقات، في عادة تجمع بين الوفاء للراحلين واستمرار العطاء داخل المجتمع.

في خميس البنات، تعود الحياة إلى الحقول مرة أخرى، حيث تغسل الفتيات شعورهن بندى القمح، وتُردَّد الأهازيج الشعبية. هنا، لا تُمارَس الطقوس بوصفها تقاليد جامدة، بل كأفعال يومية تحمل معنى الأمل، وتجسد حضور المجتمع في تفاصيل الطبيعة.

أما خميس الموسم، فيمثل ذروة هذا المسار، حيث تبدأ المواسم الدينية والزراعية، وتتحول القرى إلى فضاءات تجمع واحتفال. ومن أبرز طقوسه صبغ قرون المواشي بالمغرة الحمراء، في ممارسة قديمة ترمز للحماية والبركة، وتكشف امتداد الموروث الكنعاني داخل الثقافة الشعبية حتى اليوم.

ولا يكتمل نيسان دون “شتوة نيسان”، التي تشغل مكانة خاصة في وعي الناس. فالمطر في هذا التوقيت ليس حدثًا عابرًا، بل لحظة حاسمة تؤثر في المحصول وحياة الفلاحين، لذلك ارتبطت به أمثال شعبية تعبّر عن قيمته، وتحوله إلى جزء من الذاكرة الجماعية.

في هذا الشهر، تتداخل العادات مع الطبيعة بشكل كامل؛ من نزهات “السيران” في الحقول، إلى استقبال الطيور المهاجرة، إلى ظهور السنابل التي تعلن اقتراب الحصاد. كل هذه التفاصيل ليست مجرد مظاهر موسمية، بل تعبير عن مجتمع يعيش ضمن إيقاع الأرض، ويعيد تعريف نفسه من خلالها.

نيسان، في السياق الفلسطيني، ليس فقط زمن الربيع،
بل مرآة تُرى فيها ملامح المجتمع:
كيف يتذكر، كيف يحتفل، وكيف يحافظ على نفسه عبر العادة.

هو شهر يُظهر أن الثقافة لا تُحفظ في الكتب فقط،
بل تُمارس… وتُورث… وتبقى.

Hide picture