رحل أحمد قعبور… الصوت الذي لم يتوقف عن مناداة لفلسطين
لم يكن أحمد قعبور مجرد فنان غنّى لفلسطين، بل كان واحدًا من الأصوات التي التحمت بها، حتى صار من الصعب التفريق بين الأغنية والذاكرة، بين اللحن والوجع، بين صوته وصوت الناس.
يرحل اليوم الفنان اللبناني الذي عرفه الفلسطينيون كما لو أنه واحد منهم، لا لأنه غنّى لهم فقط، بل لأنه انحاز لهم مبكرًا، وواصل هذا الانحياز حتى سنواته الأخيرة، حين ظل يردد “أناديكم” رغم المرض، كما لو أنه يتمسك بنداء لم يتوقف، أو لم يجد صداه الكامل بعد.
وُلد قعبور في بيروت عام 1955، في بيت كانت الموسيقى فيه جزءًا من الحياة اليومية، حيث كان والده من أوائل عازفي الكمان في المدينة، لكن طفولته لم تتشكل فقط من الألحان، بل من تناقضات حادة ظل يستعيدها لاحقًا: صوت حوافر الخيل في الجوار، وصوت سعال والده المريض، بين إيقاع الحياة وثقلها، وبين أمل صغير وخوف مبكر.
في تلك السنوات، لم يكن الفن بالنسبة إليه مجرد اختيار، بل محاولة للفهم. كان يرى والده يبكي بعد نكسة 1967، للمرة الأولى، فبدأت الأسئلة تتشكل داخله: لماذا يُهزم الناس؟ ولماذا يبكي الكبار؟ ولماذا يبدو العالم على هذا القدر من القسوة؟
لاحقًا، سيقول إن “أناديكم” كانت، في جانب منها، ردًا على تلك اللحظة، أو محاولة لتضميد ذلك الكسر القديم.
لكن الانحياز الحقيقي بدأ حين دخل المخيمات، لا كفكرة، بل كتجربة. هناك، في صبرا وشاتيلا، لم يرَ الفلسطيني كعنوان سياسي، بل كإنسان يعيش تفاصيل اللجوء اليومية. وهناك، بدأ يتشكل وعي مختلف، ليس قائمًا على الشعارات، بل على ما سماه لاحقًا “الانحياز الأخلاقي والإنساني”.
في منتصف السبعينيات، وبينما كانت الحرب الأهلية اللبنانية تتوسع، كان شابًا لم يتجاوز التاسعة عشرة، يحرس مركزًا شعبيًا مع رفاقه، حين وقعت عيناه على قصيدة “أناديكم” لتوفيق زياد. لم يقرأها كقصيدة، بل كصرخة. وفي اليوم التالي، حملها إلى والده، الذي لم يكن مقتنعًا بسهولة بهذا الطريق، لكنه قال له جملة ستلازمه: “خلّيها تحمل نبض الناس”.
خرجت الأغنية، وخرج معها قعبور من نفسه إلى الناس. لم تعد “أناديكم” له، كما قال لاحقًا: “سبقتني… وصارت أشهر مني”.
ومع الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، تحولت الأغنية إلى ما يشبه النشيد، تُردد في الشوارع والمخيمات، بينما كان هو يكتشف، كما قال، أن الصوت قد يعلو، لكن العالم لا يسمع دائمًا. استعاد لاحقًا تلك المفارقة المؤلمة حين قال له والده، أثناء الحصار: “يبدو أنهم سمعوك… الاحتلال وصل”، فأجابه: “أنا ما كنت بنادي على الاحتلال”.
لم تكن تلك الأغنية وحدها ما تركه قعبور. كتب وغنّى لـ”نبض الضفة”، للطفلة التي قُتلت في طريقها إلى المدرسة، وللاجئ الذي يُطلب منه أن يعرّف نفسه، وللناس الذين يعيشون على هامش السياسة، لكن في قلب المعاناة. لم يفصل يومًا بين فلسطين والإنسان، ولا بين الوطن والحياة اليومية.
في تجربته، لم يكن الفن مجرد وسيلة تعبير، بل موقف. انخرط في العمل السياسي في بداياته، ضمن التيارات اليسارية، لكنه عاد لاحقًا ليعيد تعريف موقعه، مبتعدًا عن الأطر الأيديولوجية الضيقة، ومقتربًا أكثر من فكرة الإنسان نفسه. قال بوضوح: لم تعد المسألة مسألة أيديولوجيا، بل كرامة إنسانية.
كان يرى أن القضية الفلسطينية لا يمكن اختزالها في الجغرافيا، بل هي اختبار أخلاقي، وأن الحياد تجاهها لم يعد ممكنًا، بل “صار موقفًا مشبوهًا”، كما عبّر في أحد لقاءاته.
حتى في تفاصيل حياته الشخصية، ظل يبحث عن هذا المعنى البسيط للحياة. كان يقول إن صوت فنجان القهوة الذي تضعه زوجته كل صباح، يكفي ليمنحه شعورًا بأن يومًا جديدًا يبدأ، وكأن الحياة، رغم كل شيء، تستمر.
رحل أحمد قعبور، لكن صوته لم يكن صوت فنان عابر. كان جزءًا من ذاكرة كاملة، من زمن عربي مثقل بالهزائم والأسئلة، ومن محاولة مستمرة للقول إن الغناء، في بعض الأحيان، ليس ترفًا… بل ضرورة.
وفي مكان ما، لا يزال ذلك النداء قائمًا:
أناديكم…
ربما لا ليُجاب، بل ليبقى.