“الوثائقي حين يصنع ذاكرة: قراءة فنية في فيلم “غزة: أطباء تحت الهجوم
يُقدَّم فيلم «غزة: أطباء تحت الهجوم» بوصفه عملًا وثائقيًا قبل أي شيء آخر. لا يبدأ من خطاب سياسي، ولا ينتهي عند موقف أخلاقي مُعلن، بل يشتغل داخل منطقة الفن الوثائقي نفسها: الصورة بوصفها شهادة، والزمن بوصفه عنصرًا سرديًا، والمسافة بين الكاميرا والحدث بوصفها اختيارًا جماليًا واعيًا.
الفيلم الذي أُنجز وعُرض في سياق شديد التعقيد، يلفت النظر ليس فقط إلى ما يقوله، بل إلى كيف يقوله. لا يعتمد أسلوب الصدمة البصرية، ولا يسعى إلى استدرار عاطفة مباشرة، ولا يكدّس المشاهد القاسية كما تفعل مواد إخبارية كثيرة عن غزة. على العكس، يشتغل على بناء هادئ، يسمح للصورة أن تتنفس، وللشهادة أن تُقال دون استعجال.
في تقاليد السينما الوثائقية، تُعدّ القدرة على الإصغاء واحدة من أهم أدوات المخرج. هذا الفيلم يصغي. يترك الأطباء يتحدثون عن عملهم اليومي داخل مستشفيات فقدت شروطها الطبيعية، دون تعليق فوقي يشرح أو يوجّه. الكاميرا هنا ليست قاضية، ولا متحدثة باسم أحد، بل شاهد يراقب أثر الحرب على المكان والإنسان معًا.
اختيار الأطباء كمدخل سردي ليس اختيارًا موضوعيًا فحسب، بل جمالي أيضًا. الطبيب في السينما الوثائقية غالبًا ما يُقدَّم بوصفه رمزًا: إنقاذ، إنسانية، أخلاق. الفيلم يتجنّب هذا التبسيط. لا يصنع من شخوصه أيقونات، ولا يرفعهم إلى مرتبة البطولة. يظهرون كما هم: مهنيون مرهقون، يعملون تحت ضغط متواصل، يخطئون أحيانًا، ويترددون، ويكملون العمل رغم انعدام الحد الأدنى من الظروف.
هذه المعالجة تُبعد الفيلم عن الاستهلاك العاطفي. لا موسيقى زائدة، ولا مونتاج متسارع، ولا تعليق يوجّه المشاهد إلى شعور بعينه. الإيقاع بطيء نسبيًا، لكنه مقصود. البطء هنا ليس ضعفًا، بل جزء من بنية العمل، يسمح للمشاهد أن يرى التفاصيل الصغيرة: حركة يد، نظرة صامتة، غرفة عمليات بلا تجهيز كافٍ.
في ظل منع الوصول الصحفي المباشر إلى غزة لفترات طويلة، يفرض الواقع على صانع الوثائقي حلولًا فنية مختلفة. الفيلم لا يخفي هذه القيود، ولا يحاول القفز فوقها. يعتمد على شهادات من الداخل، وعلى أرشيف بصري، وعلى بناء سردي لا يدّعي الإحاطة الكاملة. هذا الاعتراف الضمني بحدود الرؤية يمنح العمل صدقية فنية. الوثائقي لا يقول “هذه هي القصة كاملة”، بل يقول “هذه زاوية مما يحدث”.
هنا تبرز الحِرَفية. ليس كل فيلم يُنتج تحت القيود ينجح في تحويلها إلى عنصر جمالي. في هذا العمل، تتحول القيود إلى جزء من اللغة البصرية: غياب بعض اللقطات، انقطاع الزمن، الانتقال بين أماكن محدودة، كلها عناصر تُذكّر المشاهد بأن ما يراه ليس مشهدًا سينمائيًا مُصطنعًا، بل واقعًا مُجزأً بفعل الحرب.
الجدل الذي رافق الفيلم في محطات بث بريطانية لم يكن حول مستواه الفني، بل حول “ملاءمته”. هذا الجدل نفسه يكشف شيئًا عن طبيعة الوثائقي كفن. الفيلم الوثائقي، حين يُنجز بجدية، لا يُستهلك بسرعة. يطرح أسئلة، ويترك أثرًا، ويصعب احتواؤه داخل قوالب جاهزة. الصورة، حين تُبنى بعناية، تصبح عصيّة على النفي المباشر.
الفيلم لا يحتاج إلى خطاب مباشر ليقول إن استهداف المنظومة الصحية في غزة واقع قائم. الصورة وحدها تقوم بالمهمة. الممرات، غرف الطوارئ، الوجوه، الصمت بين الجمل، كلها تشكّل سردًا بصريًا متماسكًا. هذه القوة الهادئة هي ما يجعل العمل مزعجًا لبعض المؤسسات، ومقنعًا للجان تحكيم مهنية تنظر إلى الوثائقي بوصفه فنًا لا بيانًا.
فوز الفيلم بجائزة الصحافة الأجنبية في بريطانيا يمكن قراءته كاعتراف بقيمة العمل الوثائقي نفسه، لا باعتباره موقفًا سياسيًا. الجوائز من هذا النوع تُمنح عادة لأعمال نجحت في الجمع بين الحرفة، والأخلاق، والبناء السردي. المسار الذي قطعه الفيلم، من المنع إلى العرض ثم التكريم، يضيف طبقة أخرى لقراءته: أحيانًا، ما يُربك المؤسسات هو بالضبط ما يملك فرصة أطول للبقاء.
غزة في هذا الفيلم ليست خلفية رمزية، ولا صورة عامة. هي مكان محدد، له زمنه، وله تفاصيله اليومية. هذا التحديد مهم فنيًا. الوثائقي الجيد لا يذيب المكان في شعارات عامة، بل يعيده إلى حجمه الإنساني. حين تُرى غزة بهذه الطريقة، لا كعنوان إخباري بل كحيّز معيش، تتحول الصورة إلى ذاكرة، لا إلى خبر عابر.
الذاكرة البصرية التي يصنعها الفيلم لا تعتمد على اللحظة الصادمة، بل على التراكم. مشاهد صغيرة، متفرقة، لكنها حين تُجمع، تشكّل سردًا متماسكًا عن واقع المنظومة الصحية تحت الحرب. بعد سنوات، قد تُنسى تفاصيل كثيرة، لكن هذا النوع من الأعمال يبقى قابلًا للمشاهدة مجددًا، لأنه لا يرتبط بلحظة سياسية بعينها، بل بتجربة إنسانية موثقة بلغة الفن.