سلوفينيا خارج المسرح: حين ترفض الموسيقى أن تغطّي على الإبادة

لم يكن قرار سلوفينيا بالانسحاب من مسابقة يوروفيجن 2026 مجرّد موقف إداري أو خلاف عابر داخل مؤسسة بث عامة، بل جاء كفعل ثقافي وأخلاقي واضح في لحظة بات فيها الصمت نفسه موقفًا. هيئة الإذاعة والتلفزيون العامة في سلوفينيا (RTVSLO) أعلنت وقف مشاركتها وبثها للمسابقة، اعتراضًا على إصرار اتحاد البث الأوروبي على إبقاء مشاركة الاحتلال الإسرائيلي، رغم حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة.

يوروفيجن، التي تُقدَّم دائمًا بوصفها مساحة للموسيقى العابرة للحدود، وجدت نفسها هذه المرة أمام سؤال جوهري: هل يمكن للفن أن يدّعي الحياد حين تُدمَّر المدن، وتُباد العائلات، ويُقتل الأطفال والصحفيون على مرأى العالم؟ بالنسبة لسلوفينيا، الإجابة كانت واضحة: لا.

رئيسة مجلس إدارة هيئة الإذاعة والتلفزيون في سلوفينيا، ناتالييا غورشاك، لم تُخفِ منطق القرار، ولم تلجأ إلى اللغة الرمادية. قالت إنهم لا يستطيعون مشاركة المسرح نفسه مع الاحتلال الإسرائيلي الذي دمّر 92% من غزة، وقتل أكثر من 20 ألف طفل و250 صحفيًا. في جملة واحدة، نزعت عن المسابقة قناع “الترفيه البريء”، وربطت الفن مباشرةً بمسؤوليته الأخلاقية.

حديث غورشاك عن “الدور التوحيدي للموسيقى” لم يكن إنشائيًا. على العكس، كان سؤالًا مباشرًا: أي وحدة يمكن أن تصنعها الموسيقى مع نظام لا يحترم حقوق الإنسان؟ وأي معنى لبث عام يدّعي القيم وهو يتجاهل واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث؟

اللافت في الموقف السلوفيني أنه لم يُقدَّم كفعل سياسي حزبي، بل كالتزام أخلاقي نابع من طبيعة البث العام نفسه. “نحن جهة بث عامة ويجب أن نتحلّى بقيم أخلاقية عالية”، تقول غورشاك، واضعة المؤسسة أمام مسؤوليتها أمام جمهورها، وأمام التاريخ. فالبث العام، في جوهره، ليس منصة محايدة بالكامل، بل مساحة يفترض أن تعكس الحد الأدنى من الضمير الإنساني.

انسحاب سلوفينيا جاء ضمن موجة أوسع من النقاشات داخل هيئات بث أوروبية، لكنه اكتسب ثقله من وضوحه. لم تطلب استثناءات، ولم تساوم على شروط، بل اختارت الانسحاب الكامل، معتبرة أن المشاركة نفسها تصبح شكلًا من أشكال التطبيع الثقافي حين تُفصل عن الواقع الدموي القائم.

في سياق فلسطيني، لا يبدو هذا القرار تفصيلاً هامشيًا. هو تذكير بأن الثقافة ليست زينة تُعلَّق فوق الخراب، بل مرآة له، وأن الفن حين يفقد بوصلته الأخلاقية يتحول إلى أداة تبييض. حين تقول سلوفينيا إنها تؤمن بأن التاريخ سيُظهر أنها كانت على الجانب الصحيح، فهي لا تراهن على مسابقة أو موسم فني، بل على ذاكرة طويلة ستسأل: من وقف؟ ومن صمت؟ ومن غنّى بينما كانت غزة تُقصف؟

هذا الموقف، في جوهره، لا يدّعي إنقاذ غزة، لكنه يرفض أن يكون جزءًا من تجاهلها. وفي زمن تُستباح فيه القيم باسم “الفصل بين الفن والسياسة”، تبدو خطوة سلوفينيا تذكيرًا بسيطًا وقاسيًا في آن: لا موسيقى أعلى من صوت الضحايا.

Hide picture